الشاعر ابن عبود وتجليات في حالات العشق والمعنى


121579

انطباع: علي بلخشر –
يقول رياض باشراحيل: إن العظماء والنوابغ وأفذاذ الرجال من المبدعين في مختلف ميادين الثقافة بمفهومها الشامل عبر العصور هم الذين يحفظون الماضي ويصنعون الحاضر ويستشرفون المستقبل.
وحينما يتيحُ القدرُ تحقيق أماني وأحلام الإنسان يجد هذا الإنسان نفسه في حالة من الانشراح الفكري والفرحة تغمر وجدانه، فيجد العبارات تتفاعل مع هذه الفرحة ويبدأ فكره في تجميع ورص المعاني والمفردات التي يجعلها الركيزة الأساسية في إنشاء تحقيقه الصحفي دون الخوض في مزايدات فلسفية أو لغوية. ولقد حالفني الحظ مؤخرًا بمعرفة الشاعر الدكتور محمد بن عبود العمودي، الذي غصتُ في أعماق محيطه لمعرفة المزيد عنه، لكن لم يسعفني الزمن، فقد كانت زيارتي له زيارة تعارف استنتجت من خلالها في مدة قصيرة ما أخطه لكم.
كانت زيارتي للشاعر الدكتور ابن عبود في مقر إقامته بمنتجع المرجان الواقع على البحر الأحمر بمدينة جدة السعودية، فكانت ليلة تجلت لي فيها النفس واستطعمت بمقامات مختلفة من الموسيقى التي تلذذت بها من خلال بعض القصائد المخطوطة سواء كانت بالفصحى أو بالشعر الدارج أو (الحميني) التي عودنا بها هذا الشاعر الرقيق من خلال المجموعات الشعرية التي تحتوي أربعة دواوين وهي: (نفحات الورود) و(سكن الليل) و(ربيع العمر) و(منتهى الحب).

وقفة تأملية

تأملت من خلال مطالعتي لهذه الدواوين أن الشاعر الدكتور ابن عبود يغوص في محيطات الأدب العربي والموروث الشعبي الحضرمي فيستخرج لنا هذه الجواهر المكنونة في أعماق هذه المحيطات وينثرها لنا كنوزاً شعرية تنساب إلى النفس دون استئذان ووجدت أن أشعاره تدور حول موضوعات متعددة ومختلفة الأشكال والأبعاد وهي بحد ذاتها مميزة أختص بها شاعرنا.
لقد برع في الشعر الحميني ووصل إلى مكانة يحسد عليها في الشعر العربي الفصيح
ثم تغلغل إلى الشعر الديني (الروحاني)
فهنا يتخيل لنا بأن شاعرنا يمتلك عدة شخصيات أدبية متوافقة في الإلهام الشعري دون تضارب في الأفكار والمواضيع الشعرية كأن هذه الشخصيات أنما هي نسيج واحد.
إن الموهبة التي يمتلكها شاعرنا ابن عبود هي مزيج من مواهب متعددة كما أن لديه تذوقا موسيقيا راقيا فهو يعرف مسالك ودروب المقامات الموسيقية.

الشوق والحنين في أشعار ابن عبود:

هناك الكثير من الشعراء ترجموا لنا في أشعارهم هذا الجانب، وما يدور في خواطرهم من الشوق والحنين لكن شاعرنا ابن عبود يختلف هنا في ترجمة شوقه وحنينه بأسلوب راقٍ ينساب إلى النفس البشرية دون تعقيد. يشعر المتلقي لقصائده أو المستمع لهذه القصائد الملحنة أنه يعيش مع واقعه فيجد نفسه في هذه القصيدة أو تلك.
فنجده هنا في هذه الأبيات من قصيدة سكن الليل يحملنا في معيته ويذكرنا بما نخفيه من الشوق والحنين إلى الحبيب حينما يغيب عن أنظارنا فجأة دون إنذار كأنه عرف خبايانا فتعالوا نغوص في هذه الآبيات ونستمتع بمفرداتها الجميلة حين يقول:
سكَنَ اللَّيلُ والأماني عِذاب
وحنيني إلى الحبيبِ عَذاب
عِذاب بكسر العين مشتقة من العذوبة فعذوبة الشيء لها مذاق خاص وعَذاب بالفتح مشتقة من العذاب
والعذاب كلّ ما شقَّ على الانسان ومنعه من مراده.

كُلَّما داعبَ الكرَى جَفنَ عيني
هزَّني الشَّوقُ وأضناني الغياب
كلمات ذات معنى لها دلالة أدبية تستحق التعمق في مفرداتها.
ثم يعود لنا بمعان مختلفة النهج والمنهج الأدبي نهج له تذوق أدبي راق حينما يقول في القصيدة نفسها:

أنا والشَّوقُ في الغرامِ ضحايا
سرَقَ البُعدُ عُمرَنا والغياب
هنا اتضحت لنا الرؤية الأدبية وأثبت لنا أن الشوق يأتي للعاشق المغرم فيصل به إلى ذروة الغرام بالحبيب الغائب فنتيجة هذا الشوق والغرام يصبح العاشق ضحية من ضحايا هذا البعد فيسرق هذا البعد من عمره.
كقول الحسن البصري
(يا ابن آدم أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك)
فعندما يطول البعد يسرق من عمر العاشق فهنا قد ينهار العاشق فيذهب ضحية هذا الشوق لكن شاعرنا لم يستسلم لهذا البعد وإنما زاده إصرارا وتمسكا بالحبيب الغائب فوصف نفسه بهذه الأبيات:
قدَرٌ نعشَقُ الصِّعابَ ونَمشي
في طريقٍ به الشُّجاعُ يُهاب

هنا يبين لنا الشاعر أن العاشق لا بد له أن يؤمن بالقدر ولا يستسلم بل عليه أن يمضي نحو الحبيب مهما كان الطريق، وما يحتويه من صعاب ومشقة يهاب منه الشجاع
لكن العاشق لا يهمه سوى الوصول إلى الحبيب حتى يطفئ نار هذا الشوق ويسعد في نهاية المطاف بحبيبه.
وفي قصيدة رحماك من ديوان نفحات الورود
يبين لنا الشاعر أنه استسلم لمحبوبته برغم الصد والهجران ورغم ما ذرفته العين من دموع على هذا الصد منها ورغم تأجج نيران هذا الصد فيقول:
رُحماكِ ساحرةَ الأجفان ِرُحماكِ
فَالقَلبُ رَغمَ الصد لا زالَ يهواكِ
والعينُ سَالت عَلى الأوجانِ دَمعتُها
وَهِي التي مَا بَكت في البُعدِ إِلاكِ
بَاتت ونارُ الجوَى والشوق ُيؤرقُها
ويقول أيضاً في القصيدة نفسها:

الشوقُ فِي القَلبِ كَالإِعصارِ دَمرنِي
والعُمرُ يَمضي وعُمرُ الصب رُؤياكِ
هنا وظف لنا الشاعر الشوق في مكانة مختلفة عن مكانة الشوق في قصيدة سكن الليل
وجعلني في موقع الاختيار بين المكانتين وكل مكانة لها معاناتها.
لكن في هذه القصيدة يستسلم الشاعر لمحبوبته ويرضى بما تحكم عليه فيقول في بعض أبياتها:
إن كُنت بالصد والهجرَانِ قَاتلتي
فَلستُ إِلا قَتيلاً بَينَ قَتلاكِ
إنْ كَان قَتلكِ للعُشاقِ مَفخَرةٌ
بِالموتِ أَرضى إِذا مَا الموتُ أَرْضاكِ
في هذه الأبيات يوضح الشاعر أن العشاق مختلفين في الطبائع فهناك عاشق رغم الصد والهجران وما يحتويه من الشوق والحنين إلا انه لم يفقد الأمل بل يمتلك القوة والعزيمة والثقة بالنفس فيسعى إلى دروب محبوبته مهما كانت هذه الدروب وما بها من مصاعب فهو يعترف أنها قدر من الأقدار لا بد له أن يجتازها حتى يصل إلى محبوبته.
هذا ما تحمله قصيدة سكن الليل لكن قصيدة رحماك هنا العاشق اختلفت طبائعه فاستسلم لهذا الصد والهجران والشوق الذي مثّله بالإعصار المدمر ورضي بأن يكون قتيلاً لمحبوبته أو بالموت إذا كان الموت يرضيها. حقيقة التعمق في قصائد ابن عبود تحتاج منا إلى جهد متواصل لمعرفة ما تحتويه من مواقف وأفكار بنيت على أثرهما قصائده فالقصيدة تُبنى على موقف أو حدث أو فكرة تجتاح الشاعر فيضع لها الأساس ثم يبني على هذا الأساس تكملة الحدث أو الفكرة فتنتج في نهاية المطاف قصيدته المترابطة.لهذا أكتفي بهاتين القصيدتين التي شدتني مفرداتها ومعانيها الصادقة وما تحكيه من الواقعية.
وان ذهبنا الى القصائد الروحانية (القصيدة الدينية)
لم يستسلم شاعرنا ابن عبود بخط أو خطين متوازيين في كتابة القصائد بل سلك عدة خطوط شعرية وبزغ نجمه في هذا المجال الشعري والخط الآخر هو خط الروحانيات التي تفجرت في لحظة تجلّ مع الله فثارت نفسه بهذا التجلي فكتب اجابته للسائل عن نسبه فقال:
أيها السائل عن منتسبي
نسبي ديني وديني نسبى
وديار العرب سكني ومهجتي
وفي كياني عبق تاريخ أبي
ودم الأجداد في أوردتي
سال إرثا من كرام نجب
ها أنا من رام أن يعرفني
مسلم القلب بنبض عربي

إلى هنا أكتفي بهذا القدر لأن الحديث عن الشاعر الدكتور محمد بن عبود العمودي يحتاج مني إلى جهد في لملمة العبارات التي تعطي للمذكور حقه الأدبي مني ولكن لضيق الوقت فالحديث عن ابن عبود يحتاج إلى وقت أطول حتى أكون صادقاً فيما اكتبه عنه.